أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

235

العقد الفريد

لأبي نواس يرثي جارية : وجدوا على قبر جارية إلى جنب قبر أبي نواس أبياتا ، ذكروا أن أبا نواس قالها ، وهي : أقول لقبر زرته متلثّما * سقى اللّه برد العفو صاحبة القبر لقد غيّبوا تحت الثرى قمر الدجى * وشمس الضّحى بين الصّفائح والقفر عجبت لعين بعدها ملّت البكا * وقلب عليها يرتجي راحة الصبر وقال حبيب الطائي يرثي جارية أصيب بها : جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب * وخطب الرّدى والموت أبرحت من خطب لقد شرقت في الشرق بالموت غادة * تبدّلت منها غربة الدار في القرب وألبسني ثوبا من الحزن والأسى * هلال عليه نسج ثوب من التّرب وكنت أرجّي القرب وهي بعيدة * فقد نقلت بعدي عن البعد والقرب أقول وقد قالوا استراحت لموتها * من الكرب روح الموت شرّ من الكرب لها منزل تحت الثّرى وعهدتها * لها منزل بين الجوانح والقلب « 1 » وقال يرثيها : ألم ترني خلّيت نفسي وشانها * ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها لقد خوّفتني النائبات صروفها * ولو أمّنتني ما قبلت أمانها وكيف على نار الليالي معرّس * إذا كان شيب العارضين دخانها أصبت بخود سوف أغبر بعدها * حليف أسى أبكي زمانا زمانها « 2 » عنان من اللّذات قد كان في يدي * فلما قضى الألف استردّت عنانها منحت المها هجري فلا محسناتها * أريد ولا يهوى فؤادي حسانها يقولون هل يبكي الفتى لخريدة * إذا ما أراد اعتاض عشرا مكانها « 3 »

--> ( 1 ) الجوانح : مفردها الجانحة ، وهي الضلع القصيرة مما يلي الصدر . ( 2 ) الخود : الشابة الناعمة الحسنة الخلق . ( 3 ) الخريدة : اللؤلؤة لم تثقب .